أحمد الفاروقي السرهندي

147

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

وحسّاس ومتحرّك قبل ذلك التّعلّق والذي يحدث فيه من هذا التّعلّق هو ظهور صفات ذلك الجنّىّ وحركاته وسكناته . والمشائخ المستقيمو الأحوال لا يتفوّهون بعبارة الكمون والبروز ولا يرمون به النّاقصين في البلاء والفتنة لا حاجة عند الفقير إلى الكمون والبروز أصلا بل لو أراد كامل أن يربّى ناقصا ينبغي أن يجعل بإقدار اللّه تعالى صفاته الكاملة منعكسة في المريد النّاقص وأن يجعل ذلك الإنعكاس ثابتا ومستقرّا ليخرج المريد النّاقص من النّقص إلى الكمال ويميل من الصّفات الرّذيلة إلى الصّفات الحميدة من غير أن يكون في البين كمون وبروز أصلا ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * « 1 » . وقال بعض آخر بنقل الأرواح يقولون أنّه يحصل للرّوح بعد الكمال قدرة بحيث تترك بدنها لو شاء وتدخل في بدن آخر نقل أنّ واحدا من الاعزّة الذي كان له هذا الكمال وهذه القدرة لمّا توفّي في جواره شابّ ترك بدن نفسه الذي كان قد أدرك سنّ الشّيخوخة ودخل في بدن ذلك الشّابّ فصار بدنه الاوّل ميّتا وبدن الشّابّ حيّا وهذا القول مستلزم للتّناسخ لانّ تعلّق الرّوح بالبدن الثاني على هذا التّقدير إنّما هو لحصول الحياة لذلك البدن وإنّما الفرق بين هذا وبين التّناسخ أنّ القائل بالتّناسخ حاكم بنقص النّفس ويثبت التّناسخ لأجل تكميلها والذي هو قائل بنقل الرّوح يعتقد الرّوح كاملا ويثبت الإنتقال بعد كمال الرّوح وعند الفقير القول بانتقال الرّوح أسقط من القول بالتّناسخ فإنّ القائل بالتّناسخ اعتبر التّناسخ لأجل تكميل النّفوس وإن كان هذا الاعتبار باطلا وزعم انتقال الرّوح بعد حصول الكمال وإن لم يكن كمال أصلا فإذا تقرّر كون تبدّل الأبدان لأجل تحصيل الكمالات فلاىّ شئ يكون الإنتقال إلى بدن آخر بعد حصول الكمال وأهل الكمال ليسوا بأرباب الهوس بل همّتهم بعد حصول الكمال التّجرّد عن الأبدان لا التّعلّق بالأبدان فإنّه قد حصل ما هو المقصود من التّعلّق وأيضا إنّ في انتقال الرّوح إماتة البدن الاوّل وإحياء البدن الثاني فلا بدّ للبدن الاوّل من حصول أحكام البرزخ كعذاب القبر وثوابه والبدن الثاني لمّا أثبتوا له الحياة الثانية ثبت في حقّه الحشر في الدنيا وأظنّ أن معتقدي انتقال الرّوح لا يقولون بعذاب القبر وثوابه ولا يعتقدون الحشر والنّشر فآه الف آه حيث انّ أمثال هؤلاء البطّالين جلسوا في مسند الشّيخوخة وصاروا مقتدى بهم لأهل الإسلام ضلّوا فأضلّوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 2 » بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام . ( تذييل ) في بيان بعض العلوم والمعارف الّتي تتعلّق بعالم المثال ينبغي أن يعلم : أنّ عالم المثال أوسع من جميع العوالم وكلّ ما هو في جميع العوالم له صورة في عالم المثال وللمعقولات والمعاني كلّها صورة فيه قيل انّ الحقّ سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال وللّه المثل الاعلى وقد كتب هذا الفقير في مكاتيبه كما أنّ لا مثل له تعالى في مرتبة التّنزيه الصّرف ليس له سبحانه مثال أيضا فَلا تَضْرِبُوا

--> ( 1 ) الحديد : 21 ( 2 ) آل عمران : 8